(قصة) مريم المصون والذئب الملعون الجزء الرابع

أعيش ولا أعلم لماذا أعيش، أعيش ولا أدري لماذا؟ هل أنا أعيش للعذاب؟ أم أعيش لأرى بعيني خروج روحي من جسدي؟ طفولة! أية طفولة عشتها؟ بؤس وقهر على فقدان والدي وجدتي، حتى والدتي فقدتها عندما تزوجت وذهبت، وفقدتها اليوم بعد أن خرجت من المستشفى إلى المنزل لتأتي بخولة أختي ذات الستة عشر عاماً، وعند وصولها إلى المنزل كانت النيران تشتعل والشرطة تطوق المكان، والأهالي يقفون وينظرون إلى عملية الإطفاء، فهرعت بلا شعور وهي تصرخ " خولة.. خولة" وانفلتت من بين الطوق الأمني بلا شعور لداخل المنزل وما أن لحق بها رجال الأمن كانت كالرصاصة التي تخرج بسرعة هائلة من فوهة البندقية إلى الهدف المنشود، وياليتها انتظرت لثواني حتى تعلم بأن خولة في سيارة الإسعاف لم يصبها مكروه، أخرجوها بسرعة ووضعوا لها "الأكسجين " في سيارة الإسعاف.
 

كان المنزل الذي نسكنه في منطقة قديمة جداً، وما جبرنا على هذه المنطقة هو رخص الإيجار، وانتظارنا إصدار الأوامر باستلام منزلنا من الحكومة، وكان البيت القديم عبارة عن غرفة وصاله والمطبخ ملاصق للغرف، وسقف المطبخ كان من "الخشب" وعندما   كنت في المطبخ أقوم بتجهيز وجبة خفيفة، سمعت صراخ خولة فأسرعت لأجد محمد ملقى أمام الباب يسبح في بركة من الدم، ذهبنا فوراً ونسيت ما يحصل في المطبخ، وقدر الله أن تشتعل النيران وتلحق ببعض الأقمشة التي استخدمها لقبض الطناجر وبسرعة انتشرت النيران هنا وهناك، لتلتهم المنزل بأكمله.
 
 
لم تتوفى والدتي في الحال، ظلت تحت العناية المركزة قرابة الشهر، أما محمد فخرج من غرفة العمليات مشلول شلل كامل، لا يستطيع الحركة، بسبب قطع الحبل الشوكي، وسقطت المسؤولية جميعها على رأسي، وفي يوم وفاة والدتي كنت أجلس بجوار محمد أقرأ قصة قصيرة بعد خروجي من غرفة الإنعاش التي كانت فيها والدتي مجرد فحمة ملقاه على السرير الطبي، قرأت قصة قصيرة عن الفارس الذي يبحث عن فتاة أحلامه فوجد خادمة تملأ الماء من النهر، فأحبها وانتشلها من ظلم مخدوميها، لتصبح زوجة ابن أمير المنطقة، فقلت في نفسي هل يرزقني الله بفارس؟ كالذي قرأت عنه؟ ماهي الا دقائق وأتت الممرضه لتخبرني بوفاة والدتي رسمياً، لم أتأثر كثيراً ليس لأني لا أحب والدتي! لا، بل لا وجود للصدمة في نفسي، لم يتبقَ لي دمع إلا وذرفته، فمن أين لي صدمة افتعلها؟ ومن أين لي دمع أذرفه؟! 
 
 
اتصلت بعمي سعيد :-
 
 
مريم: السلام عليكم
عمي: عليكم السلام
مريم: " تبكي" عمي أمي توفت
عمي: لاحول ولاقوة الا بالله.. لا حول ولاقوة الا بالله
عمي: متى؟؟
مريم: الحينه من شويه
عمي: انزين الحين بييج
عمي: اتصلتي بخوالج؟
مريم: لا 
عمي: اتصلي بهم
مريم: إن شاءالله
 
 
اغلقت الهاتف وقمت بالاتصال بخالتي فهي الأقرب لي، ولا أعلم كيف سأخبرها لاسيما بعد زوج والدتي أصبحت العلاقة متوترة بينها وبين أخويها وأختها، ولكن في اعتقادي عند الموت تزول الخلافات .. لذلك قمت بالاتصال
 
 
مريم: تبكي ( السلام عليكم خالوه)
خالتي: عليكم السلام خير؟؟ شوه صاير
مريم: ام م ممي توووفت " تبكي بصوت مرتفع"
خالتي: " تبكي" لاحول ولاقوة الابالله
خالتي: متى؟ متى
مريم: الحينه قبل شوي
خالتي: يايه يايه
 
 
حضر الجميع من خال وعم، وبدأ من بدأ في مراسم الجنازة ثم الدفن، كانت خولة أختي ترقد بجوار محمد فأيقظتها لأخبرها، بكت فأمسكت بكتفها وهززته :
 
 
مريم: لا تبكين 
خوله: ياويلي منوه تم لنا 
مريم: الله ! نسيتي ربج
خوله: تبكي .. 
مريم: حبيبتي استغفري الله .. لازم نتماسك
خوله: تبكي .. و محمد نقوله
مريم: لالا، لا تقولين له
مريم: الحينه بنتناوب أنا وانتي عند محمد لين يخلص العزاء
خوله: تبكي
 
 
بأمانة! كنت أقول لها في قلبي إبكي يا أختااااااه  إبكي يا أختااااااه فكل ماتبقى لنا هو البكاء، كل ماتبقى حفنة دموع فلمن نذخرها؟ لمن نبقيها؟ لأبي الذي مات دهساً؟ لجدتي؟ أم لوالدتي؟ أم على هذا الطفل الذي يرقد مشلول الحركة! ابكي ثم ابكي ثم ابكي.
 
 
أقام خالي واجب العزاء في منزله، وكنت أذهب نهاراً وأعود ليلاً لأنام مع أخي وأختي في المستشفى، انتهى واجب العزاء، وطلب عمي مني أن آتي إلى منزله لأعيش معهم أنا وأختي، ولم أستطع الرفض أبداً لاسيما ولم يتبقَ لنا من المنزل القديم شسع نعل، فكل شيء التهمته النيران. 
 
 
انتقلنا مجدداً إلى منزل عمي، وعشنا أنا وأختي في منزل عمي خادمات، نلبي طلبات زوجة عمي، كنا ننتظر متى تخرج ابنة عمي من غرفتها لنذهب أنا وخولة وننظفها، ومن الصدف الدنيويه بأن الجهة التي تمنحنا المنزل أمرت بصرف معونة عاجله لوالدتي ومنزل في نفس الفترة التي توفت فيها والدتي، ولكن قلة معرفتي وتواصلي مع الآخرين جعلتني أتجاهل الأمر،  والرقم الذي وضع في ملف المعاملة هو هاتف والدتي الذي كان في المنزل  المحترق، ولو كان الهاتف مع والدتي لربما لم تخرج من المستشفى ، بعد الهدوء ودخول محمد غرفة العمليات تذكرت خولة وتذكرت بأن هاتفها في المنزل خرجت دون ان تأخذه.
 
ذهب خالي الى الجهه المانحة, وقدم لهم جميع الأدلة التي تثبت وفاة والدتي وأن لوالدتي ورثه شرعيون، ولم تتأخر الإجراءات كثيراً حتى حصلنا على قسيمة المنزل والمفتاح، ولكن عمي هنا كان له دور المعارض فأمر بصيغة الجبر عدم الذهاب إلى  المنزل والعيش بمفردنا، فجميع الأعراف لا تسمح بهذا، وباستطاعتنا تأجير المنزل والاستفادة من قيمة الإيجار، ولم أملك سوى الموافقة، وكنت أبحث عن من يحمي شرفي وشرف خولة، وما يعين محمد في نكسته الصحية، ولكن مازال الفارس الملثم يجول في مخيلتي أين مااتجهت .. إلى أن شاهدت … يتبع الجزء الخامس
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *